بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

 

الإمامة حافظة حقوق الإنسان

 

إنّ أكثر حقوق الإنسان أصالة هي الحياة، إنّها الوجود المنسّق بين الفكر والعمل. الموجود الذي لايفكّر، أو يفكّر ولكّنه ليس فعّالاً، أو يفكّر ويكون فعّالاً ولكن فكره لايشرف علي عمله، ولايستعين في فعله بالفكر، فمثل هذا الموجود ليس بحيّ.

إنّ ذلك العامل الذي ينسّق بين الفكر والعمل يسمّي بالحياة. وهذه الحياة لكونها ترتبط بالعلم والعمل فإنها تتبع العلم والعمل في أصل الوجود والفناء، سواء في الحدوث والبقاء أم في الشدّة والضعف.

الذي يغوص في الحياة النباتية حي، ولكنه لم يحظ بعد للدخول في دائرة الحيوان. ومن يكون نتاج فكره الأكل الأفضل والشبع وارتداء الملابس الفاخرة، يعيش حياة نباتية، إنّه لم يصبح حيواناً بعد، فضلاً عن أن يكون إنساناً. ومن تعدّي فكره حدّ الأكل والشرب واللبس والتزيّن ووضع قدمه في مستوي العواطف والإحساس فقد وصل إلي دائرة الحياة الحيوانية. ولأنّ دائرة الحياة الحيوانية واسعة؛ فإنّ الحيوان المفترس فيها يختلف عن الحيوان المعلَّم، والذي يحرص في حيوانيته علي أن يستفيد من الحياة الحيوانية هو حيوان جيد؛ أي إذا لمحنا شخصاً لايخون الأمانة فهو حيوان تلقي التربية، وإذا دافع شخص ما عمّن هو تابع له فإنّه حيوان مربّي.

ما نراه من أنّ «الكلب المعلَّم» لايخون الأمانة يرجع إلي أنّه حيوان تلقّي التربية، وما تحس به الدجاجة من الأمومة وحمايتها لافراخها سببه أنها حيوان رؤوف ومسؤول. وإذا لم يظهر هذا الإحساس في البشر فسيكون مصداقاً لما في القرآن إذ يقول: ﴿بَل هُم اَضَل.[1]

و بالمناسبة، فإنّه لاتوجد في جميع الكتاب العزيز كلمة مخالفة للأدب؛ لأنّ هذا الكتاب نور، والنور لايلائم الوقاحة. إنّه بقوله في بعض الناس: ﴿بَل هُم اَضَل كشف عن حقيقة أنّ هذا الوصف ليس سبّاً وشتماً، فإنّه نفسه علّم الآخرين أن يحترموا أفكار الناس: ﴿ولاتَسُبُّوا الَّذينَ يَدعونَ مِن دونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدوًا بِغَيرِ عِلم [2]، فخطابه: لاتسبّوا عبدة الأوثان لأن السباب ليس من أدبي، فإذا شتمت وثن الوثني فإنه سيسبّ إلهك. نعم لايوجد سبّ في هذا الكتاب بتاتاً، أمّا اللعن فهو أمر آخر يختلف عن السبّ. إذن فقول القرآن في حقِّ بعض الناس: ﴿بَل هُم اَضَل، يميط اللثام عن حقيقةٍ ما، وغداً عندما يتّضح وجه الحقيقة وتُبلي السرائر[3]، سيعلم أيّ شخص إنسان وأيّ شخص حيوان.

ثمّ إذا تجاوز الفكر والعمل هذا الحد أي حد الشعور العاطفي ووصلا إلي دائرة العقل، يدخل الإنسان حدود الإنسانية. إذن فكلّما كان العلم والعمل عميقين تكون الحياة عميقة، وهذا هو الموضوع الأول.

إنّ نداء الأنبياء بشكل عام والقرآن بشكل خاص، هو إنقاذ البشرية من الحياة النباتية والحيوانية، وإيصالها إلي الحياة الإنسانية، وإحياؤها. وقبل أن ‏يحييها يشجعها علي معرفة النفس: ﴿ياَيُّهَا الَّذينَ ءامَنوا عَلَيكُم اَنفُسَكُم [4]، لاتنفصلوا عن أنفسكم. وبعد أن يشجّع أبناء الإنسان علي معرفة أنفسهم، يوجب عليهم أن‏يصبحوا أحياء. والأحياء لايكونون إلّا في ظل التوحيد لا غير، إنّ الموحد هو الحي والآخرون أموات و إن كان لهم حياة حيوانية أو نباتية، وإنّ المشرك لايتمتع بالحياة الحقيقية.

أمّا ما هو التوحيد؟ ما هي عوائق التوحيد؟ ما هي نتائج التوحيد؟ من هو الذي يتعهد فسيلة وشجرة طوبي التوحيد؟ فهذه معطيات الأنبياء بشكل عام، وخاتم‏الأنبياء(عليهم آلاف التحية والثناء) بشكل خاص. عندما يعرض القرآن الكريم التوحيد يقول: ﴿قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرهُم في خَوضِهِم يَلعَبون [5]، فمن لم يقل:(اللّه)، فهو في حدّ النبات أو الحيوان.

وقال خاتم الأنبياء: «ما قلت ولا قال القائلون قبلي [كلمة أفضل من] مثل لاإله إلاّ اللّه».[6] لم يأت البشر بكلمة أفضل من التوحيد، ولهذا فإن «التوحيد ثمن الجنة».[7]

القرآن يعرض التوحيد مع إقامة البراهين.

أصالة التوحيد وبراهينه وأهميته لاتخفي، وليس من مهام مؤتمر الفكر الإسلامي هذا بيان وتوضيح هذه الاُمور، وإنّما المهم هو عرض وبيان مشاكل هذه المسائل.

إنّ الذين يشكّكون في الوحدانية، أرجع القرآن الكريم مغزاهم إلي كلمتين، فهم بين حامل لشبهة علمية أو ناهض بشهوة عملية، فالأمر كما في مسألة الوحي أو المعاد. لقد أزاح القرآن الستار عن هذين الأمرين في سورة القيامة، فتحدث عن اُولئك الذين ينكرون المعاد انّهم حسبوا: ﴿اَلَّن نَجمَعَ عِظامَه [8]، وجوابه هو: ﴿بَلي قدِرينَ عَلي اَن نُسَوِّي بَنانَه [9]، باستطاعتنا أن نسوّي بين الخطوط الدقيقة لبشرة الأصابع فما بالك بعظام الجسد؟!. ويقول تعالي: ﴿بَل يُريدُ الاِنسنُ لِيَفجُرَ اَمامَه [10]، إنه لايحمل شبهة علمية بل هي شهوة عملية، يريد أن يكون فجوره مطلق العنان، والوحي لايسمح بذلك.

من اختلج داء العمي في بصيرته ونفذت الظلمة إلي سويداء قلبه سواء بالأمس أم اليوم يلفّق ألفاظاً ليحسبها شبهة فيقول: إنّ الإنسان يري أن لكل ظاهرة سبباً بالطبع، وقبل أن يعرف الأسباب كان عليه أن يمرّ بمرحلة الأسطورة، ثمّ أوكل أمره إلي مرحلة المذهب والدين، ثمّ أسلم نفسه للفلسفة، وعندما حلّ عصر العلم والتجربة اُبيدت التنظيرات العقلية للفلاسفة ونُبِذ معطي الوحي(معاذاللّه) وطرحت الأفكار الأسطورية.

هكذا إذن يفكرون: في البداية كان عهد الأسطورة، ثمّ حلّ عهد الدين، ثمّ حلّ نسج الفلسفة، ثم حلّ عصر العلم الذي حدّد سبب كلّ ظاهرة أو أنّه علي مشارف كشف سبب كلّ ظاهرة! إنّ هؤلاء مبتلون بشبهات أبعدتهم عن الحقيقة وعن التوحيد، وبالتالي عن الحياة التي يتجلي فيها الحقّ الإنساني الأصيل.

إن الأنبياء كشفوا في تعاليمهم عن حقائق لاُمور هي من أبسط المسائل، وحتي بلغوا في تعاليمهم عن أشرف الحقائق وأسماها. إن الأنبياء جاؤوا وبيّنوا أن الشي‏ء الذي وجودُه ليس عين ذاته يحتاج إلي شي‏ء هو الوجود المحض، سواء في ذلك الاُمور البسيطة الإبتدائية أم الاُمور الرفيعة المعقدة.

هذا إبراهيم(عليه‌السلام) وقد ظهرت الأديان ببركة محطم الأصنام هذا، وإذا انحرف شخص عن سيرة هذا النبي فهو سفيه لاعقل له: ﴿ومَن يَرغَبُ عَن مِّلَّةِ اِبرهيمَ اِلاّمَن سَفِهَ نَفسَهُ [11]، إبراهيم كما يقيم برهان التوحيد علي أعقد مسائل التصور الكوني، كذلك يطرح الدليل علي أكثر المسائل بدائية، فتراه يقول تارة: ﴿يُطعِمُني ويَسقين [12] ويقول أخري: ﴿وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، فيبيّن هذا النبي المقرّب أن شرب الماء أيضاًً لاينفصل عن التوحيد. فاللّه الذي خلق الماء وأعطاه الأثر، واللّه الذي خلق الجهاز الهضمي ومنحه التأثّر، والذي يسقي هو اللّه، إنّ خالق الخبز ومعطيه هو اللّه. وكذلك الذي يمنح معالي الاُمور ويهب الهداية التكوينية والتشريعية هو اللّه أيضاً. وكذلك الذي يداوي ويشفي هو اللّه أيضاً ﴿اَلَّذي خَلَقَني فَهُوَ يَهدين ٭ والَّذي هُوَ يُطعِمُني ويَسقين٭ واِذا مَرِضتُ فَهُوَ يَشفين [13]، ولهذا: ﴿وجَّهتُ وجهِي لِلَّذي فَطَرَ السَّموتِ والاَرض.[14] أيّ إنسان إبتدائي لايحس بالعطش ولايعرف أنّ الماء هو سبب إزالة العطش؟! إن العلماء الإلهيين إن قالوا بمبدأ لهذا العالم فليس ذلك لكونهم يبحثون عن سبب، وحينما لم يكتشفوا السبب اذعنوا للغيب، حتي يأتي العلم التجربي و يكتشف السبب الغريب والمباشر فيملأ ذلك الفراغ!! ليس الأمر كما زعموا. الأمر أعظم من هذه الحدود وأبعد من هذه الدعاوي، الأمر في حقيقة تحقق الأسباب وواقعية انتظام المسببات وفوق المدّعيات، وإلي اللّه ترجع الاُمور.

لقد أجاب القرآن عن الشبهات العلمية علي أحسن وجه.

أما الشبهات العملية فقد حلّها بالموعظة والوعد والوعيد، وإن لم يؤثّر هذا الوعد والوعيد، واستمروا يقولون: ﴿وقَد اَفلَحَ اليَومَ مَنِ استَعلي.[15] فكشف عن هذه الحقيقة بأنّ هذا النوع من الأشخاص هم مصداق ﴿لِيَفجُرَ اَمامَه.[16]

إنّهم يندفعون جهد الإمكان لإنكار التوحيد الربوبي، لكن ما إن تركت مساعي الأنبياء أثرها الطيب واعتقد المجتمع بالربّ، وإذا يدعي الربوبية نفس هؤلاء الملوك الطغاة الّذين كانوا ينكرونها، فتري أحدهم يقول: ﴿اَنا رَبُّكُمُ الاَعلي.[17] وهكذا فإنّهم ينفون الربوبية مهما استطاعوا، وعندما يرون أنّ المجتمع آب إلي رشده واعتقد بربه تراهم يقولون: إنّ الناس يريدون رباً، والربّ هو نحن لا غير!!

و بعد مسألة الربوبية جاء دور مسألة الوحي والرسالة، فأصرّوا جهد إمكانهم علي إنكار النبوة، وعندما أثّرت مساعي الأنبياء وآمن المجتمع بالوحي، قال اُولئك الملوك المستبدون: إنّ الناس لايستطيعون العيش بدون الأنبياء، ولكن ليس الأنبياء موسي وعيسي، إنّ الأنبياء هم الفئة التي ترتبط بنا! ولذلك نري أنّ أعداد المتنبئين ليست أقل من أعداد الأنبياء! لقد كانوا ينكرون النبوة بكلّ ما كانوا يستطيعون، وعندما فشلوا لجأوا إلي التنبؤ(إدعاء النبوة). لذلك فإنك إذا دققت رأيت أنّ هذه المِلَل والنِحَل علي نوعين: نوع أتي به الأنبياء علي أنّه مِلَل، والنوع الآخر هو النِحَل التي جاء بها المتنبئون.

و عندما جاء دور تفسير الكتب السماوية قالوا: لاحاجة للتفسير! وحينما رأوا أنّ المجتمع قبل هذه الفكرة و هي أنّ الكتب السماوية لايمكن تفسيرها بدون علماء الدّين قال اُولئك الملوك المستبدون أنفسهم: إنّ وجود العلماء ضروري، ولكن العلماء هم الأحبار والرهبان و... الذين يرتبطون بنا! والذين: ﴿يُحَرِّفونَ الكَلِمَ عَن مَواضِعِهِ [18]، هم الذين يجب أن يفسّروا الإنجيل و...!

و عندما تجاوزوا اللّه والنبي والعالِم والمفسّر، عمدوا إلي إيمان جماهير الناس، فاعتبروا الإيمان سفاهة ورجعية! وعندما رأوا أنّ فكرة الإيمان ترسخت في المجتمع فكّروا في التدين والإيمان الظاهري، فقالوا: نحن مؤمنون!. إنّ القرآن قد كشف عن هؤلاء حين حكي عن فرعون تحذير قومه من موسي، إذ قال: ﴿اِنّي اَخافُ اَن يُبَدِّلَ دينَكُم اَو اَن يُظهِرَ فِي الاَرضِ الفَساد [19]، ففرعون عدوّ الدين يعلن لهم أنه يخاف علي دينهم و ما كان دينهم إلاّ أفكاره السخيفة من التبدّل والتغيير وما شاكل ذلك. و هكذا تطرح الشبهات العلمية.

وهناك أيضاً الشهوات العملية للملوك المستبدين، فلكلّ فرعون موسي ولكلّ موسي فرعون أيضاً. إنّ القرآن الكريم بيّن هذه المسائل، الواحدة تلو الاُخري، رفع الشبهات العلمية وجابَهَ الشهوات العملية، كشف الحقائق وأنذر الناس، بيّن لهم ووعظهم ونبهّهم: لن تعودوا أحياء إلاّ إذا كنتم عنداللّه. وهذا لايتيسر بدون الشهادة، ولايتيسر بدون القتال.

أنتم يا مفكّري الدول الإسلامية إنتبهوا جيداً، إننا إذا أردنا أن نبقي أحياء فلا حيلة لنا إلاّ القتال. والقرآن يدعونا إلي عامل الحياة، إذا نهضت فأنت حي‏دائماًعنداللّه، وإذا قعدت فأنت ميّت، وإذا انتصرت فأنت حي عنداللّه، وإذا مت في طريقك إلي الجهاد موتاً طبيعياً فأنت حي. إنّ ما يحيي الإنسان ليس الشهادة بذاتها، فالإنتصار يحيي الإنسان أيضاً.

أكثرنا طوي سنوات نغمة العيش، والدنيا هي ما رأيناه. إذا اختار شخص أن‏يعود جثة نتنة فليختر طريقه، «فصار جيفة بين أهله ... فأسلموه فيه إلي عمله» [20]، هذه من كلمات لأمير البيان الإمام علي(عليه‌السلام). البعض إذن يتحول إلي جثة نتنة. فإذا فكّر شخص سواء شاركه الكثيرون في فكرته أم لا ثمّ أراد أن يصبح جثة نتنة فإنّ طريقه مفتوح! وإن أراد أن يصبح حياً فيجب أن ينهض. إنّ ما يحيي شعباً ما ليس هو الشهادة بحدّ ذاتها، ﴿ولاتَحسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللّهِ اَموتًا بَل اَحياءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقون [21]، إنّ الحي هو المجاهد في سبيل اللّه، لاالشهيد فقط.

إستأذن رجل النبي الأعظم(عليه آلاف التحية والثناء) فقال: «إني راغب نشيط في الجهاد، قال: فجاهد في سبيل اللّه» [22]، الآن وقد وجدت في نفسك الرغبة والنشاط للقتال ضد الظلم، فحارب، «إن تقتل تكن حياً عنداللّه ترزق، وإن تمت فقد وقع أجرك علي اللّه، وإن رجعت رجعت من الذنوب كما ولدت».[23]

أمّا الجملة الأولي: «إن تقتل تكن حياً عنداللّه ترزق»، فمقتبسة من الآية: ﴿ولاتَحسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللّهِ اَموتًا بَل اَحياءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقون. وأمّا الجملة الثانية: «إن تمت فقد وقع أجرك علي اللّه» فإنّها مستوحاة من آية في سورة النساء: ﴿ومَن يَخرُج مِن بَيتِهِ مُهاجِرًا اِلَي اللّهِ ورَسولِهِ ثُمَّ يُدرِكهُ المَوتُ فَقَد وقَعَ اَجرُهُ عَلَي اللّهِ.[24] إنّ الإنسان حتي لومات في طريق القتال موتاً طبيعياً فإن أجره علي اللّه، وأهم أجر يمنحه اللّه هو الإحياء. «وإن رجعت رجعت من الذنوب كما ولدت»، إن عدت من الجبهة ظافراً تحررت من كل ذنب. هذا مهم لكن الأهمّ هو أن تصل إلي اللّه.

من الممكن أن يتوب شخص و«التّائب من الذنب كمن لا ذنب له» [25]، كمن ولدته أمه، ولكنّه لا زال في الطريق، إنّ التوبة تحرر الإنسان من النقص لاأنّها توصله إلي لقاء اللّه. التوبة خروج من الذنب. أمّا الإنسان الذي يثور ضد الطاغية فهذا معناه أنه قد تحرر من النقص، وفي نفس الوقت وصل إلي الكمال،(هذا هو الفلاح). إنّ ما يدعو الدين الإنسانَ إليه هو الحياة التي لاتتيسر من دون التوحيد، وكل الشبهات العلمية والعملية يبيّنها القرآن ويزيلها.

و لكن، ما هي ثمرة شجرة طوبي المتعلقة بالحياة؟ إنّ الإنسان الموحّد ينظّم خوفه ورجاءه علي أساس التوحيد، إنّه يخاف وفي نفس الوقت لايخاف من غيراللّه. والإنسان غير الموحّد إمّا أن لايخاف أساساً، مثل متهوّري المعسكر الشرقي، أو يخاف من اللّه وغير اللّه كليهما، كالزاهدين المعتزلين للحياة، إنه ليس موحّداً في الخوف ولا في الرجاء، أو كمن لاينتظر شيئاً أساساً: ﴿ولاتايَسوا مِن رَوحِ اللّهِ اِنَّهُ لايايَسُ مِن رَوحِ اللّهِ اِلاَّ القَومُ الكفِرون [26]، إنه لايملك نقطة أمل، أو يتعلق بالكل، إنه مشرك في كلتا الحالتين: الرجاء والخوف.

قد يثور إنسان ملحد علي طاغية من دون خوف، ويطيح به، ولكنه سوف لن‏يكون قائماً بالقسط؛ لأنه لايرتبط بحقيقة من يرتبط بحقيقة. مَن يعرف الربوبية، مَن استشعر العبودية للّه تعالي، مَن كان علي بيّنة، مَن كان حكيماً، مَن... يمكنه أن يكون قائماً بما أمر اللّه تعالي. ومن الحكمة أن‏يكون خائفاً من اللّه تعالي، وأن‏لايكون خائفاً من غيره. وهذه من صفات الأنبياء(عليهم‌السلام) أيضاً: ﴿اَلَّذينَ يُبَلِّغونَ رِسلتِ اللّهِ ويَخشَونَهُ ولايَخشَونَ اَحَدًا اِلاَّاللّه.[27] هذا التركيب النكرة في سياق النفي قد جاءت في مواضع كقوله تعالي: ﴿لايُشرِكونَ بي شيئا [28]، وهي تفيد أن الشرك برمته وكلّه منفي عنهم، وكذا تلك الآية تصف اولئك أنّ خشيتهم ليست من أحدٍ الاّ اللّه تعالي.

حينما يتحدث اللّه مع المقاتلين يقول: ﴿ولاتَهِنوا فِي ابتِغاءِ القَومِ اِن تَكونوا تَألَمونَ فَاِنَّهُم يَألَمونَ كَما تَألَمون [29] فإذا كان هنا قصف فهناك أيضاً قصف، إذا كان لديكم جرحي فإنهم أيضاً لديهم جرحي، إذا كان لديكم قتلي، فهم أيضاً لديهم قتلي، إذا كان ألم ونَصَب فهما مشتركان يستوي في ذلك الملحد والموحّد، ولكن الموحّد يملك شيئاً ليس للملحد نصيب منه، وهو: ﴿وتَرجونَ مِنَ اللّهِ ما لايَرجون [30]، أنتم تملكون نقطة أمل، لكن اولئك علي أي شي‏ء يعتمدون؟ إنهم يعتمدون السلاح، وعندما ينزع السلاح منهم فإنهم ييأسون تماماً، ولكنكم معتمدون علي اللّه الذي لايمكن زواله.

نقل المرحوم الكليني عن الصادق(عليه‌السلام): «نزل رسول اللّه‏صلي الله عليه و آله و سلم في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة علي شفير وادٍ، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه...، فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمداً، فجاء وشدّ علي رسول اللّه‏صلي الله عليه و آله و سلم بالسيف ثمّ قال: مَن ينجيك مني يا محمد؟ فقال: ربي وربّك، فنسفه جبرئيل(عليه‌السلام) عن فرسه فسقط علي ظهره، فقام رسول اللّه صلي الله عليه و آله و سلم وأخذ السيف وجلس علي صدره وقال: مَن ينجيك مني يا غورث؟ فقال: جودك وكرمك يا محمد، فتركه، فقام وهو يقول: واللّه لأنت خير مني».[31]

انظر، لقد علا السيف رأس النبي‏صلي الله عليه و آله و سلم لكن علمه بالحق وإيمانه بالغيب ﴿واعلَموا اَنَّ اللّهَ يَحولُ بَينَ المَرءِ وقَلبِه [32] كيف صيّر النتيجة!

إذن، الموحد يوحّد في الرجاء، والموحد موحد في الخوف أيضاً، والملحد ملحد في الحالين، ملحد في الخوف والرجاء، ملحد في الشعور بالأمن الذي لامعني له؛ لأنه ﴿فَلا يَأمَنُ مَكرَ اللّهِ اِلاَّ القَومُ الخسِرون [33]، إنّ ذلك الذي لايخاف من أيّ عامل هو ملحد، وذلك الذي يحصر كل الأسباب والعلل في السلاح وفي مخزن السلاح هو ملحد أيضاً.

و الحاصل: انّ الحياة أعلي حقوق البشر، وهذا الحق لايتحقق بدون التوحيد والنظرة التوحيدية، فلاشبهة تمنع قبول النظرة التوحيدية ولاشهوة، ولكن من هم حفظة شجرة طوبي هذه؟ أي شخص يجب أن يتعهد هذه الفسيلة؟

إنّنا نري أنّ الكلمة الطيبة «لا إله إلا اللّه» [34] إعتبرت في رواياتنا الخاصة كحصن منيع، وأنّ الإمامة والقيادة والزعامة والإشراف علي الأمة الموحدة تطرح أيضاً باعتبارها حصناً. وهذا لايعني أنّ في الإسلام حصنين منيعين ينفك أحدهما عن الآخر، أحدهما التوحيد والآخر الإمامة، فهذا مما لاينسجم مع التوحيد، وإنما المراد أنّ حافظ حصن التوحيد هو الولاية، ومنفّذ حقوق ذلك الحصن هو نفس الولاية، فبدءاً من النبي الأعظم وحتي المهدي(عج) وما بينهما من الأئمة(عليهم آلاف‏التحية والثناء)، حديث الكل: نحن حصن، نحن شرط التوحيد.

لقد ركّز رسول اللّه علي أنّ «لاإله‏إلّااللّه» هي قلعة اللّه، أمّا ولاية الأولياء الإلهيين والمعصومين فهو الحصن‏و شرط كون هذه القلعة حصن يأمن فيه. ولقد جاء في كلامهم(عليهم‌السلام) هذا المفاد: «لا إله إلّا اللّه حصن اللّه وأنا من شروطها».[35]

و ورد: «أن رجلاً أتي أبا جعفر(عليه‌السلام) فسأله عن الحديث الذي روي عن رسول‏اللّه‏صلي الله عليه و آله و سلم أنه قال: «من قال لا إله إلاّ اللّه دخل الجنة، فقال أبوجعفر(عليه‌السلام): الخبر حق. فولّي الرجل مدبراً، فلما خرج أمر بردّه ثم قال: يا هذا، إن للا إله إلاّ اللّه شروطاً، وانّي من شروطها».[36]

و هذا المعني هو ما جاء في حديث سلسلة الذهب للإمام الرضا (عليه‌السلام) الذي يتناقله كلّ الناس. أي إذا كانت الرؤية توحيدية فإنها تطلب منفّذاً، تطلب إماماً، تطلب ولياً ووالياً، تطلب عاملاً ممثّلاً للدين، وفي نفس الوقت يعبي‏ء معه عدداً من الناس، وإلاّ فإنّ هناك الكثير من الكتابات السوداء علي وجه الورق الابيض، كانت ومازالت موجودة.

إنّ من يحفظ هذا الحق الأساسي وينفذ حقوق الإنسان، هو الإمامة والزعامة والقيادة؛ لذلك فقد اعتبرها اللّه سبحانه وتعالي مكملة ومتممة للدين والنعمة. فمادام الإنسان ليس ممثّلاً ومادام الموحد غير كامل فإنّ هذا التوحيد وهو أكثر حقوق المجتمعات البشرية إصالة وأهمها لايعود إلي البشر. فكلمة: ﴿وقَد اَفلَحَ اليَومَ مَنِ استَعلي [37]، كانت نفس الكلمة التي جعلت(الطغاة) يعتبرون مصلحي العالم مفسدين: ﴿اَن يُظهِرَ فِي الاَرضِ الفَساد [38]، وكانت نفس الكلمة التي طرحوها قائلين: ﴿اَن يُبَدِّلَ دينَكُم.[39]

وعلي هذا الأساس تتضح حقيقة حق الحياة وهو أهم الحقوق، وكذلك تتبيّن درجات الحياة، وأنّ الحياة نتاج التوحيد؛ لأنّ القرآن يعتبر الإنسان غير الموحد ميتاً، يقول: ﴿لِيُنذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَولُ عَلَي‏الكفِرين.[40] فالتقابل بين الحياة والكفر، الإنسان إمّا حي أو كافر، أي إمّا حي أو ميت، ﴿لِيُنذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَولُ عَلَي‏الكفِرين. وهذا لايعني أنّ اللّه سبحانه وتعالي خصّ دعوة الأنبياء وانذارهم بالمؤمنين والأحياء فقط، بل انه قال منذ البداية: ﴿وتُنذِرَ بِهِ قَومًا لُدّا [41]، خوِّف وأرعب اُولئك الذين هم ألد الخصام. إنّ الإنذار يتوجّه إلي الاُمم، إلي الإنسان المتمرّد، ولكن الخصم اللجوج لايستفيد كثيراً ما بقي علي خصومته، إنّ الذي يستفيد من هذا الإنذار هو الإنسان الموجود الحي، فقال: ﴿لِتُنذِرَ مَن كانَ حَيّا، ﴿اِنَّما اَنتَ مُنذِرُ مَن يَخشها [42]؛ لأنّ الأحياء يستفيدون، والذي هو ميت لايستفيد.

وعلي هذا، فإن التوحيد للأحياء، وإذا كان شخص غير مؤمن وغيرموحد فهو ميّت حقاً، وموته هذا معناه الموت الإنساني رغم أنه يحيي حياة حيوانية أو نباتية. وإنّ مَن يحفظ هذه الحياة من طاعن فيها من خارج أو مشتت لأواصرها أو مبيدٍ لها من داخل هو من تتمثل فيه الإمامة والولاية الربانية، وهذا لسانُ كل الأنبياء والأئمة (عليهم‌السلام).

و ما نراه من أنّ اللّه سبحانه وتعالي يطرح فكرة التعقل في قصة إبراهيم الخليل، ويذكر انّ من ابتعد عن هذا الأسلوب فانّه سفه نفسه. وذلك رغم أنّ كل حياة إبراهيم تحمل معاني الهدي والتعقل، إلاّ أنه يطرح رشد إبراهيم في تحطيمه للأصنام، وبعد أن يحدّد الرشد ويعيّن الرشيد، فإنّ الشخص الذي ينفصل عن هذا الرشد وعن هذا الرشيد سفيه.

فلنتأمل قصة إبراهيم(عليه‌السلام) في أخذه للفأس وتكسيره للأصنام، فإنّ بداية هذه القضية هي ﴿ولَقَد ءاتَينا اِبرهيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وكُنّا بِهِ علِمين [43]، وحينئذ ﴿فَجَعَلَهُم جُذذًا اِلاّكَبيرًا لَهُم [44]، وتلك البراهين التوحيدية مطروحة بوصفها وجهاً ملكوتياً ﴿وكَذلِكَ نُري اِبرهيمَ مَلَكوتَ السَّموتِ والاَرضِ [45]، ثمّ يذكر بعد ذلك برهان ﴿لااُحِبُّ ال‏ءافِلين.[46] وعندما تعرض مسألة حمل الفأس وتحطيم الأصنام يبتدء بالرشد، ﴿ولَقَد ءاتَينا اِبرهيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وكُنّا بِهِ علِمين، ثمّ يذكر قصة تحطيمه للأصنام. وحينئذ يستنتج أنّ خطه هو خط التعقل والرشد، فقد ورد في سورة البقرة: ﴿ومَن يَرغَبُ عَن مِّلَّةِ اِبرهيمَ اِلاّمَن سَفِهَ نَفسَهُ [47]، إذا انفصل شخص عن الرشد أصبح عمله سفاهة، وإذا انفصل عن الرشد استحال سفيهاً، وإن أردنا أن نصل إلي الحياة الأبدية فليست لدينا حيلة غير الفداء والإيثار، ولنعرف أنفسنا، لنعرف أيّ مسؤولية ملقاة علي عاتقنا.

في الختام، ومع التقدير وتقديم الشكر إليكم أيّها الضيوف المحترمون، أنقل هذا الحديث الشريف المروي عن رسول اللّه(عليه آلاف التحيّة والثناء)، فما دمنا لم نكن علماء حقيقيين ولم نكتشف حياتنا، فليس بمقدورنا أن نكون ورثة الأنبياء:

«أن رسول اللّه‏صلي الله عليه و آله و سلم مرّ بمجنون فقال: ما له؟ فقيل: إنّه مجنون، فقال: بل هو مصاب، إنّما المجنون من آثر الدنيا علي الآخرة».[48]

حينئذ يتضح العقل، وحينئذ يتضح واجب الإطاحة بنظام الطغاة اللئام، وفي‏نفس الوقت يتضح الواجب في بناء حكومة القسط والعدل. إنّ سبب دعوة النصوص الفقهية إلي إيكال أعمال الإسلام المهمة إلي الشخص الذي يتمتع بكمال العقل، يكمن في هذا المعني. في كثير من المواضع يقولون: العقل شرط، الصلاة واجبة علي العاقل، الصوم واجب علي العاقل، الزكاة واجبة علي العاقل، المجنون ليس مكلفاً، ولكن إلي أيّ شخص نوكل الأعمال الحساسة للإسلام؟ إنّ مقولة: «يشترط في القاضي كمال العقل» التي جاءت في بعض نصوصنا الفقهية[49] يكمن سرّها هنا، يعني كلّفوا الإنسان اليقظ الحر بالأعمال الحساسة، حتي لايعرّض نفسه للنار. فحوي القرآن انّ مَن يدعو الناس إلي المعصية، يدعو إلي النار، ويهيي‏ء نفسه للنار، وفي مقابله، مَن يجاهد فهو يحارب النار، لان الكفار: ﴿وجَعَلنهُم اَئِمَّةً يَدعونَ اِلَي النّار [50]، إنّ هذه حقيقة بنفسها، إنّهم: ﴿وقودُ النّار ٭ كَدَأبِ ءالِ فِرعَون.[51] إنّ أئمة الكفر نار، يدعون الناس إلي النار، يحرقون حياتكم، إسعوا في سبيل أن تخمدوا هذه النيران. إذن فإذا أراد شخص أن يتولي منصباً حساساً ويطفي‏ء النار، فيجب أن يكون متمتعاً بكمال العقل.

نأمل أن يحيي اللّه تعالي قلوبنا جميعاً بمعارف توحيده، ويتفضّل علينا بأجر الدنيا والآخرة، لقاء الجهود التي اُلقيت وتلقي علي عاتق المسؤولين المحترمين عن إقامة هذا المؤتمر، كما آمل أن يوفقنا اللّه لتعظيم دماء الشهداء الطاهرة وإيثار اُسرانا ومفقودينا ومعوقينا الأعزاء، ونطلب من اللّه سبحانه ونقسم عليه برحمته المطلقة أن‏يحفظ من كل سوءٍ قائد الثورة الإسلامية العزيز العظيم في ظلّ وليه، وأن يصل هذه الثورة الإسلامية بظهور وليّ‏العصر)أرواحنا فداه(.

٭ ٭ ٭



[1]  ـ سورة الأعراف، الآية 179.

[2]  ـ سورة الأنعام، الآية 108.

[3]  ـ اقتباس من القرآن، سورة الطارق، الآية 9.

[4]  ـ سورة المائدة، الآية 105.

[5]  ـ سورة الأنعام، الآية 91.

[6]  ـ مكارم الأخلاق، ص 310.

[7]  ـ الأمالي [للطوسي]، ص 570.

[8]  ـ سورة القيامة، الآية 3.

[9]  ـ سورة القيامة، الآية 4.

[10]  ـ سورة القيامة، الآية 5.

[11]  ـ سورة البقرة، الآية 130.

[12]  ـ سورة الشعراء، الآية 79.

[13]  ـ سورة الشعراء، الآيات 80 ـ 78.

[14]  ـ سورة الأنعام، الآية 79.

[15]  ـ سورة طه، الآية 64.

[16]  ـ سورة القيامة، الآية 5.

[17]  ـ سورة النازعات، الآية 24.

[18]  ـ سورة المائدة، الآية 13.

[19]  ـ سورة غافر، الآية 26.

[20]  ـ نهج البلاغة، الخطبة 109.

[21]  ـ سورة آل عمران، الآية 169.

[22]  ـ تفسير العياشي، ج 1، ص 206.

[23]  ـ الكافي، ج 2، ص 160.

[24]  ـ سورة النساء، الآية 100.

[25]  ـ الكافي، ج 2، ص 435.

[26]  ـ سورة يوسف، الآية 87.

[27]  ـ سورة الأحزاب، الآية 39.

[28]  ـ سورة النور، الآية 55.

[29]  ـ سورة النساء، الآية 104.

[30]  ـ همان.

[31]  ـ الكافي، ج 8، ص 127.

[32]  ـ سورة الأنفال، الآية 24.

[33]  ـ سورة الأعراف، الآية 99.

[34]  ـ الأمالي [للصدوق]، ص 195.

[35]  ـ اقتباس من مستدرك الوسائل، ج 5، ص 359؛ فقه الرضا(عليه‌السلام)، ص 390.

[36]  ـ فقه الرضا(عليه‌السلام)، ص 390؛ بحار الأنوار، ج 3، ص 13.

[37]  ـ سورة طه، الآية 64.

[38]  ـ سورة غافر، الآية 26.

[39]  ـ سورة غافر، الآية 26.

[40]  ـ سورة يس، الآية 70.

[41]  ـ سورة مريم، الآية 97.

[42]  ـ سورة النازعات، الآية 45.

[43]  ـ سورة الأنبياء، الآية 51.

[44]  ـ سورة الأنبياء، الآية 58.

[45]  ـ سورة الأنعام، الآية 75.

[46]  ـ سورة الأنعام، الآية 76.

[47]  ـ سورة البقرة، الآية 130.

[48]  ـ بحار الأنوار، ج 1، ص 131.

[49]  ـ جواهر الكلام، ج 40، ص 12.

[50]  ـ سورة القصص، الآية 41.

[51]  ـ سورة آل عمران، الآيات 11 ـ 10.